الشيخ محمد الصادقي
259
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وهنا ضمير الجمع في « ظَنُّوا أَنَّهُمْ » راجعان إلى المرسل إليهم الذين أيأسوا الرسول من إيمانهم إذ تسبقهما : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ » . لذلك استيأس الرسل من المكذبين ومن تقدم دعوتهم فيهم « و » الحال انهم أولاء المكذبين « ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » في هذه الرسالات ، أن كذبهم الرسل فيما جاؤوا به ، وذلك تكذيب لرسالاتهم ، والتعبير بالظن - وهو هنا الحسبان - لأنهم لا يملكون أية حجة تؤكد لهم كذبهم ، بل الحجج الصادقة تصدقهم ، فإنما ظن هؤلاء الأوغاد المناكيد كما يظن الدهريون ، ظنا هو أدنى من الوهم إذ لا يملك أية حجة حتى على الوهم ، فضلا عما فوقه أو راجح الإعتقاد . وعند استيئاس الرسل وذلك الظن الكافر البائس « جاءَهُمْ نَصْرُنا » بخارقة ربانية تثبت حقهم وباطل مناوئيهم « فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ » رسلا ومصدقين لهم « وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ » بحق الرسل والرسالات . وقد تعني « فَظَنُّوا أَنَّهُمْ » - فيما عنت - الرسل ، أنهم لطول استيئاسهم عن المرسل إليهم ، - كفرا من بعض ونفاقا من آخرين ، وزلزال الإيمان من جمع من المؤمنين - « ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا » كذبهم كل هؤلاء . فالكافرون كذبوهم صراحا ، والمنافقون نفاقا ، والمؤمنون ضعفا في الإيمان ، وإنما جاء الظن ليشمل الكل ، مهما كان ظنهم بالنسبة للكافرين يقينا وبالنسبة للمنافقين ظنا قويا ضاربا إلى علم ، وبالنسبة للمزلزلين من المؤمنين ظنا خفيفا طفيفا ، إذ إنهم إن كانوا صادقين في إيمانهم لما زلزلوا . ذلك - كما وان « مَتى نَصْرُ اللَّهِ » بعد « وَزُلْزِلُوا » قد تؤيد ذلك الظن .